عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

219

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

مقابلة المقام الأنفس ، فيتوهم من لا معرفة له بالبلوغ من الوادي الأقدس فليس له إلى ذلك المقام من إلمام ولكنه يقف عند حده دون الحجاب ، إذ الرملة من طينة التراب ، فينزل عيسى الروح وفي يده حربة الفتوح فيقتله هنالك ، لأن عيسى هو روح اللّه المالك ، وإذا جاء الحق زهق الباطل وانقطع حكم الملابس والمداجل ، فكما أن هذه الآيات للساعة الكبرى من الشروط والعلامات ، فكذلك باطنها وهي الأشياء التي ذكرناها والأمور التي شرحناها في علامات الساعة الصغرى المختصة بالإنسان دون سائر الأكوان . ومن أشراط الساعة خروج المهدي عليه السلام وأن يعدل أربعين سنة في الأنام ، وأن تكون أيامه خضراء ولياليه زهراء يخصب فيها الزرع ويكثر فيها درّ الضرع ، ويكون الناس في أمان مشتغلين بعبادة الرحمن ؛ فكذلك الساعة الصغرى من شروط قيامها في الإنسان خروج المهدي ، وهو صاحب المقام المحمدي ذو الاعتدال في أوج كل كمال ، وأن تكون دولته أربعين عاما بغير جحود ، وهي عدد مراتب الوجود ، وقد شرحناها في كتابنا المسمى ب [ الكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم ] فمن أراد معرفة ذلك فليطالع هنالك ، وكون لياليه زهراء وأيامه خضراء هو بمثابة ما يتقلب فيه العارف بين السكر المرقى والصحو المبقى ، وتكثير الزرع وتدرير الضرع بمثابة تواتر الإنعامات وترادف الكرامات ، والأمان بمثابة دخول العارف مقام الخلة ونزوله في تلك الحلة ، فإنه القائل سبحانه عن مقام إبراهيم وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً « 1 » يعني من العذاب الأليم ، فإذا كان المقام الصوري يحصل به الأمان من الإحراق بالنيران ، فبالأولى والأحرى أن المقام المعنوي يحصل به الأمان من مكر الرحمن ، وهذا هو المقام الذي لما نزله الشيخ عبد القادر الجيلاني قال : إن الحق تعالى عاهده سبعين عهدا أن لا يمكر به ، فما بعد ذلك إلا عبادة الرحمن وثناء الملك الديان ، فانظر إلى هذه الإشارات كيف ناسبت تلك العبارات ، فكما أن تلك من أشراط الساعة الكبرى كذلك هذه من أشراط الساعة الصغرى . ومن أشراط الساعة الكبرى : طلوع الشمس من مغربها ، وأن يعلق بها باب التوبة في مغربها ، وأن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، إذ قد طوى يومئذ بساط الوصل ، فحينئذ لا تقبل توبة ولا تغفر حوبة ، فكذلك الساعة الصغرى من

--> ( 1 ) آية ( 97 ) سورة آل عمران .